تخيّل هذا المشهد في اجتماع : تقول زميلتك فكرة واضحة، يمرّ عليها الجميع بسرعة، ثم يعيدها زميل آخر بعد دقائق، فتأتي الإيماءات والإشادة، كأن الفكرة قيلت للتو. كم مرة حصل هذا أمامك؟ حصل ذلك لي وأمامي كثيراً!
لا أحتاج أن أتخيل ذلك، لأني مررت به شخصياً – وليست وحدي في ذلك.
هذا بالضبط جزء من تأثير ماتيلدا، وهو نمط يقلّل من إنجازات النساء أو ينسبها لغيرهن، في العمل والبحث والإعلام، ومع زيادة المنافسة على الترقيات، وفرص الظهور، والمنح، صار الاعتراف العادل بالفضل ليس رفاهية، بل شرطًا للعدالة وجودة النتائج.
ما هو تأثير ماتيلدا، وكيف يظهر في حياتنا اليومية؟
تأثير ماتيلدا يعني باختصار: حين تُهمَّش مساهمة المرأة، أو تُشكَّك، أو تُنسب لرجل، خصوصًا في المجالات التي ارتبطت في المخيلة العامة بالذكور مثل العلوم، والهندسة، والقيادة، وريادة الأعمال. أحيانًا يكون التهميش صريحًا، وأحيانًا يأتي على شكل عبارات صغيرة مثل: “ممتاز، من ساعدك؟” أو “فكرتك جيدة، ولكن مرريها لمديرك ليعرضها للإدارة”.
اسم الظاهرة يرتبط بماتيلدا جوسلين غيج (Matilda Joslyn Gage)، وهي ناشطة أمريكية في حقوق المرأة في القرن التاسع عشر، كتبت عن محو مساهمات النساء عبر التاريخ. لاحقًا، شاع مصطلح “Matilda effect” بفضل المؤرخة مارغريت روسيتر في التسعينات لوصف هذا الانحياز بشكل أدق داخل العلم والجوائز والاعتراف المهني.

أمثلة بسيطة يمكن ملاحظتها في العمل، والدراسة، والإعلام
قد تراه في تفاصيل يومية مثل:
- في الاجتماعات، تُقاطع المرأة أكثر، أو تُترك فكرتها دون تعليق، ثم تُصفّق عندما يعيدها شخص آخر.
- في المشاريع، تُذكر أسماء الفريق في التقرير، لكن يُنسى اسم صاحبة الجهد الأكبر، أو تُحصر مساهمتها في “التنسيق” رغم أنها قادت الحل.
- في التقييم، تُوصف المرأة الحازمة بأنها “عدوانية”، بينما يُمدح الرجل بنفس السلوك على أنه “حازم وواضح”.
- في الإعلام، تُروى قصص الابتكار مع تركيز على الرجال، وتُذكر الباحثات كاستثناء أو كـ “دعم خلفي”.
سؤالان يساعدانك على اكتشافه بسرعة: من ذُكر اسمه عند نجاح العمل؟ ومن تم تجاهله أو اختصار دوره؟
لماذا يحدث؟
هناك أسباب متداخلة، وأهمها الصور النمطية عن “شكل القائد” و“صورة العالِم”. عندما يتوقع الناس القائد بصفات ذكورية تقليدية، يصبح الاعتراف بالمرأة أصعب حتى لو كانت النتائج أمامهم.
كذلك، شبكات العلاقات المغلقة تلعب دورًا، من يعرف من، ومن يرشح من للفرص. يضاف إليها نقص “الرعاة المهنيين” (sponsors)، وهم أشخاص يستخدمون نفوذهم لترشيحك للفرص، لا مجرد تقديم نصائح عامة.
وأحيانًا تُظلم النساء بسبب أسلوب عرض الإنجاز: بعضهن يقللن من ذكر ما أنجزن لتجنب الاتهام بالغرور، بينما نظام المكافآت مبني على من يتحدث أكثر عن نفسه. الحل يبدأ بالوعي، ثم تعديل العادات والنظم، لا بتغيير شخصية المرأة لتناسب قالبًا غير عادل.
عندما يمتدح أحدهم مشروعك أو أدائك، اشكريه باختصار، لا تقللي من شأن ما تفعلينه.
كيف ندعم النساء بطريقة عملية، في البيت، والعمل، والمجتمع؟
دعم النساء هنا ليس شعارًا، بل سلوك يومي، وسياسات واضحة. الجميل أن كثيرًا من الخطوات يمكن تنفيذها خلال أسبوع واحد، دون ميزانيات أو برامج طويلة.
ابدأ من أبسط نقطة: نسب الفضل. عندما تقول زميلتك فكرة، كررها مع اسمها. هذا يغيّر المعادلة بسرعة، لأنه يجعل سرقة الفكرة أصعب، ويعلّم الفريق تلقائيًا أن الفضل يُذكر علنًا.
بعدها، انتبه لتوزيع الأدوار. في فرق كثيرة، تُسند للنساء أعمال “غير مرئية” مثل التنظيم، وتدوين المحاضر، وترتيب المناسبات. هذه أعمال مفيدة، لكن لا يجب أن تصبح مصيدة تمنعهن من المهام التي تُقاس وتُكافأ، مثل قيادة مشروع، أو عرض النتائج على الإدارة، أو تمثيل الفريق في فعالية.
على مستوى المجتمع، دعم النساء يعني أيضًا ألا نترك قصص النجاح تُروى بنصف حقيقة. عندما تشارك مقالًا أو خبرًا، اسأل: هل ذُكرت الباحثة أو المهندسة أو المديرة بالاسم؟ إن لم تُذكر، اطلب ذلك في التعليقات أو في نقاشك مع من حولك، بهدوء ووضوح.
تصرفات يومية صغيرة تصنع فرقًا كبيرًا
جرّب هذه التصرفات البسيطة:
- انسب الفكرة للشخص الذي ذكرها أولاً: “نعم الفكرة التي ذكرتها سارة مسبقاً ممتازة جداً”.
- دوّن في الاجتماع “من قال ماذا”، أو اطلب أن يشمل المحضر أسماء المساهمين.
- عند مقاطعة إحداهن: يمكنك الدفاع بـ“دعها تكمل طرحها أولاً، ونأتي للتعليقات لاحقاً”.
- إذا وُجّه سؤال تقني لرجل بحكم القرب، أعد توجيهه: “ليلى هي الأقدر على هذا الجزء”.
- شارك فرص الظهور، مثل تقديم العرض، أو التحدث في ندوة، أو تمثيل الفريق.
وفي البيت والمدرسة، ادعم البنات بالمساحة لا بالتلقين: شجّع التجربة حتى لو كانت فوضوية، لا تسخر من اهتمام علمي “غريب”، وامدح الجهد والفضول أكثر من الشكل أو اللطف.
ما الذي يمكن أن تفعله الشركات والجامعات لتقليل تأثير ماتيلدا؟
على مستوى السياسات، أبسط شيء هو جعل التقييم أقل اعتمادًا على الانطباعات وأكثر اعتمادًا على معايير مكتوبة. عندما تكون معايير الترقية واضحة، يقل هامش “أنا أحس” الذي يظلم كثيرين.
خطوات عملية:
- معايير واضحة للتقييم والترقية، مع أمثلة لما يُعد “أداء ممتازًا”.
- تتبع بيانات الترقيات والرواتب حسب الجنس، لرؤية الفجوات بدل إنكارها.
- لجان متنوعة للجوائز والترقيات، لتقليل تحيّز “النسخة المشابهة لي”.
- تدريب قصير على التحيز غير الواعي، بشرط أن يرتبط بسلوكيات قابلة للتطبيق.
- برامج رعاية مهنية (sponsorship) وليس فقط إرشاد (mentorship).
ولا تنس التوثيق، اجعل التقارير ورسائل البريد تلخّص الإنجاز مع اسم صاحبه، لأن الذاكرة في المؤسسات قصيرة، والملفات هي التي تبقى.
كيف تقيس التقدّم، وماذا تفعل إذا شعرت أن إنجازك يُنسب لغيرك؟
الكلام عن العدالة يبقى عائمًا إذا لم نقسه. القياس لا يحتاج أدوات معقدة، بل يحتاج أسئلة ثابتة تتكرر، حتى لا نخدع أنفسنا بالانطباعات.
وفي نفس الوقت، لا يصح أن يتحول العبء كله على النساء كي “يثبتن” حقهن. المطلوب بيئة تساعد على استرداد الفضل دون صدام دائم، ومع قنوات واضحة عندما تتكرر المشكلة.
ما الذي يجب أن نركز عليه كأفراد؟
راقبوا مؤشرات بسيطة داخل الفريق أو القسم:
- من يحصل على فرص العرض والتمثيل الخارجي؟
- من تُذكر أسماؤهم في التقارير ورسائل التحديث؟
- كيف يتوزع العمل “المرئي” مقابل الأعمال “غير المرئية”؟
- من يقود الاجتماعات، ومن يُعطى وقت كلام أطول؟
- كم ترشيحًا للجوائز أو البرامج القيادية وصل للنساء؟
مراجعة شهرية قصيرة تكفي، 20 دقيقة تقرأون فيها هذه المؤشرات وتصححون المسار قبل أن تتراكم الفجوات.
إذا شعرتِ أن جهدك أو فكرتك لم يُنسبا إليكِ، فحاولي استعادة الفضل بهدوء وثقة، دون الدخول في مواجهة أو اتهامات. يمكنكِ أن تقولي: «أود الإشارة إلى أن هذه الفكرة طُرحت في الاجتماع السابق، ويمكننا الرجوع إلى الملاحظات»، أو «يسعدني أن المقترح لاقى قبولًا، فقد شاركته مع الفريق في البريد المرسل يوم الثلاثاء».
ولحماية جهودكِ على المدى الطويل:
- احتفظي بسجل بسيط لإنجازاتكِ يتضمن التاريخ، وما قمتِ به، والنتائج التي تحققت.
- أرسلي ملخصًا بعد الاجتماعات يوثق القرارات والمساهمات الرئيسية.
- اطلبي تغذية راجعة مكتوبة عند إتمام المشاريع أو المهام المهمة.
- ابنِي شبكة من العلاقات المهنية الداعمة داخل فريق العمل، فوجود زملاء يعترفون بمساهماتكِ ويسلطون الضوء عليها يساعد في حفظ حقكِ.
- إذا تكرر تجاهل جهودكِ بشكل مستمر، فوثّقي الحالات بهدوء وناقشيها مع مديركِ المباشر بطريقة مهنية تركز على الحقائق والحلول.
استرداد الفضل لا يعني الدخول في صراع، بل الحرص على أن يكون عملكِ مرئيًا وموثقًا ومُعترفًا به.شر، ثم الموارد البشرية أو القنوات الرسمية. استرداد الفضل حماية لعملك ومستقبلك – ولنساء أخريات أيضاً مستقبلاً.
تأثير ماتيلدا هو الطريقة التي يُمحى بها فضل النساء أو يُقلّل منه، أحيانًا بصوت عال، وأحيانًا بصمت. تقليله ممكن بثلاثة أفعال بسيطة: سمِّ الفضل لصاحبته علنًا، صحّح التحيز عندما يظهر في الحديث والتقييم، وادعم السياسات العادلة التي توثق الإنجاز وتوزع الفرص.
كل الحب،
تهاني الهاجري


تعليقات
أنا لم أنساكم: إحياء جائزة المحبوب - الجزء (43) والأخير - مدونة م.طارق الموصللي | مقال/ لا تنطفئ!
رحلتي إلى أوبود - جزيرة بالي - تهاني الهاجري | تجربتي مع Luwak Ubud Villas في بالي!
رحلتي إلى أوبود - جزيرة بالي - تهاني الهاجري | درس صناعة مواد عناية عضوية في جزيرة بالي (أوبود)